#رأي_آخر
هل سبق لك أن زرت متحف الشمع؟
كل شيء يبدو حقيقيّا هناك، الملامح دقيقة، الإضاءة مثالية، لكن الروح غائبة والعيون زجاجية ميتة.
هذا بالضبط ما فعلناه بـ #مالك_بن_نبي. لقد حولنا أفكاره المتّقدة إلى تماثيل شمعية نلتقط معها الصور في المؤتمرات. المفارقة الموجعة هي أننا نستخدم مصطلحاته الحادة مثل "القابلية للاستعمار" كإكسسوارات لغوية نتزين بها في الصالونات، بينما الواقع في الخارج يستدعي الاستعمار.
نحن لا نخلد ذكراه، نحن نحنّطه باحتفائنا به؛ والتحنيط -للمفارقة- هو حفظ الجسد (النص) بعد تفريغه من أحشائه (المعنى)."
وكأننا بهذا الاحتفاء الصاخب نمارس طقسا جنائزيا طويلا ندفن فيه الفكرة تحت تراب من المديح والبلاغة نراكمه عِقدا بعد عِقد، متوهّمين أن التصفيق الحار للأفكار العظيمة يُغني عن تجشّم عناء تطبيقها، أو أن ترديد مصطلحات "القابلية للاستعمار" و"شروط النهضة" في الصالونات الفكرية يكفي لإسقاطها على واقعنا الغارق في الفوضى والوحَل.
...
وإذ نتأمل هذا المشهد - والذي لا أريد إضفاء أية صفة عليه، لأنني ببساطة جزء منه-، لا نملك إلا أن نتساءل:
هل أصبح هذا التقديس المبالغ فيه هو الحيلة النفسية الماكرة التي ابتدعها العقل الجمعي ليتخلص من عبء التكليف الذي تفرضه هذه الأفكار؟
فالفكرة الحية بطبيعتها مُقلقة، مستفِزة، وتتطلب تغييرا جذريا في نمط الحياة والسلوك، ولأننا شعوب أدمنت السكون وتخشى تكلفة التغيير الباهظة، وجدنا في "الاحتفاء" المهرب الأمثل؛ فنحن نرفع المفكر إلى مصافّ القديسين لا لنتبعه، بل لنقول لأنفسنا إننا قمنا بالواجب تجاهه بمجرد أننا أحببناه، وبهذا الحب السلبي نُفرغ مشروعه من شحنته المتفجرة ونحيله إلى تحفة أثرية جميلة توضع في المتاحف ولا تُستخدم في المعارك.
فكيف تحوّلنا من ورثةٍ لمشروع نهضوي إلى حراسٍ لمقبرة فكرية فخمة، نقف على أبوابها لنمنع أي محاولة لنقد هذا الفكر أو تطويره أو حتى تَبْيئته (من البيئة) مع مستجدات العصر، بدعوى الحفاظ على "نقائه" وأصالته؟
وهل ندرك أننا بهذا الصنيع نمارس خيانةً ناعمةً أشدّ وطأةً من التجاهل والنسيان؟
فالنسيان قد يترك الفكرة خامدةً تنتظر من يبعثها، أما التقديس فيغلفها بطبقة سميكة من "اليقينيات" التي تمنع العقل من إعادة فحصها وتشغيلها، لتتحول النصوص التي كُتبت بمداد المعاناة والألم من أجل تشخيص أمراضنا إلى مجرد نصوص "للتلاوة" والتبرك، نرددها بصوتٍ شجيّ ونحن نشعر بنشوة خادعة، متجاهلين أن "مالك بن نبي" نفسه كان يمقت الثرثرة التي لا تلد عملا، وكان يرى في "تكديس الأفكار" دون تفعيلها نوعا من "الأفكار الميتة" التي سرعان ما تتحول إلى "أفكار قاتلة" تسمم الجو الثقافي وتوهم المجتمع بأنه يملك الحلول وهو لا يملك إلا عناوينها، فأي مأساة أكبر من أن يتحول الدواء نفسه إلى داء بسبب سوء الاستعمال، وأن تصبح دعوات "الفعالية" هي نفسها ذريعةً للكسل والقعودِ تحت مظلة الاحتفال بالرواد؟
...
ثم ألا يقودنا هذا المسار المتعرج إلى التساؤل عن سر تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين "المحفوظات" التي تزدحم بها صدورنا وبين "السلوكات" التي تحكم شوارعنا ومؤسساتنا؟
فنحن نحفظ عن ظهر قلب معادلات الحضارة ونردد شعارات التغيير، لكننا في اللحظة التي نغادر فيها قاعات المحاضرات نخلع رداء المفكر لنرتدي رداء القبيلة، ونكشف عن عقلية الإنسان البدائي في عصر الذكاء الاصطناعي، ونمارس نفس الآليات الاجتماعية التي حذر منها بن نبي، من تواكل وفوضى وغياب للمسؤولية، وكأن عقولنا مصممة لتعمل بنظامين منفصلين لا يلتقيان:
وبين النظامين نعيش حالة من "الفصام الحضاري" الذي نغطي سوأته بمزيد من الاحتفالات والندوات، غافلين عن الحقيقة الموجعة التي تقول إن الأفكار لا قيمة لها إن لم تتحول إلى شبكة من العلاقات الاجتماعية وديناميكية حية تدفع حركة التاريخ، وإن الوفاء الحقيقي للمفكر لا يكون بتمجيده، بل بـ #خيانته؛ نعم، بخيانته عبر تجاوز نصوصه المجردة إلى روحه الوثابة، وبتحطيم الصنم الذي صنعناه له لنستعيد الإنسان والِمفك والمنهج، ونبدأ رحلة البناء الصامتة بعيدا عن أضواء الاحتفاء القاتلة.
...
وعلى الرغم من قسوة هذا التشخيص الذي قد يبدو سوداويا للوهلة الأولى، إلا أنني لا أجد نفسي مضطرا لتقديم صكوك براءة أو هوامش توضيحية أؤكد فيها أن سهام هذا النقد لا تصيب تلك القلة القليلة المرابطة في ثغور العمل الهادئ، إذ أن الإنصاف -وهو شيمة العقلاء- يقتضي ألا نبخس الناس أشياءهم ولا نسوّي بين من يتخذ الفكرة "متجرا" للوجاهة ومن يتخذها "محْجرا" يقتطع منه صخور البناء بجهد مُضنٍ وعرَق يتصبب؛ فثمة محاولات جادة وشريفة -وإن كانت خافتة الصوت وسط ضجيج المحتفلين- تسعى بدأب يُحترم لأجرأة هذا الإرث الثقيل وتحويله من نظريات مجردة في بطون الكتب إلى مشاريع تربوية واجتماعية ملموسة ذات أثر آني يلامس حياة الناس.
وهؤلاء وحدهم، القابضون على جمر "التغيير" وسط طوفان "التعبير"، من نستثنيهم بتقديرٍ عالٍ، ونهمس في آذانهم بصدق المتمني:
واصلوا الحفر في الجدار الصلب، فلعلكم الاستثناء الذي يكسر القاعدة، والبرهان الحيّ على أن الفكرة لا تموت ما دامت تجدُ يدًا تزرعها، لا لسانا يمدحها فحسب.
- بالمناسبة، أنا أيضا لم أزر -بعدُ- متحف الشمع.