002136675014319
admin@bemindcenter.com

الإنسان المتكيف مع المجتمع المريض: تأمل في سَقَم التكيّف

أنشئ من قِبل فريد فرحاتي في مقالات 20/08/2025 عدد الزيارات 441
شارك

الإنسان المتكيف مع المجتمع المريض

تأمل في سَقَم التكيّف

.
"الإنسان المتكيف تماماً مع مجتمع مريض، هو إنسان مريض". عبارة تُنسب إلى عالم النفس والفيلسوف "إريك فروم"، تبدو ملاحظة اجتماعية، وتحصيل حاصل، لكنها – مع بعض التأمل- وبمفهوم المقابلة، تخترق الفكر بسؤال وجودي:
ما معنى أن تكون "سليماً" في عالمٍ مشوَّه؟
في عالم تُقدَّس فيه القيم المادية، وتُعاقَب فيه الروح الحرَّة بالعزلة، وتُباع السعادة كسلعة استهلاكية معلبة سريعة التلف..
يكشف هذا السؤال – ومن خلاله مقولة فروم- إلى أي مدًى نحن أسرى لـ"المرض الجماعي" الذي - وإن اعترف بعضنا بوجوده – إلا أننا ننكر إصابتنا به.
.
المجتمع "المريض" في فهم فروم ليس بالضرورة ذاك الذي يعاني من حروب أو كوارث بفعل الإنسان أو الطبيعة، بل هو المجتمع الذي تَختلُّ فيه الموازين الإنسانية الجوهرية: حيث تُصبح المادة مقياساً للقيمة الإنسانية، وتُحوَّل العلاقات إلى معاملات تبادلية، وتُستبدل الحرية بالانصياع للعُرف الجماعي حتى لو كان جاهلاً.
.
ففي مجتمعٍ تُقاس فيه السعادة بحجم الحساب البنكي، وتصبح الشهرة على وسائل التواصل مجرد نافذة افتراضية في جدار سجن الواقع، وحيث ينتشر الخوف من "الاختلاف الفطري" كالخوف من الوباء، هنالك، يكون التكيف مع هذه الشروط تفاهةً وانصهارا في القطيع، أو جرحاً عميقاً في الروح الإنسانية إن اختبأ في طيات ذلك الانصهار وعي بالذات.
هنالك، يُشار إلى الفرد بأنه "ناجح" بمعايير المجتمع، لكنه "فاشل" في الحفاظ على كيانه المتميز الذي لا وجود فعلي له إلا به وعبر تجلياته.
.
التكيف "المثالي" مع هذا الواقع هو أعظم أشكال المرض، لأنه يُفقد الفرد قدرته على التساؤل. فروم، الذي عاش في ظل صعود النازية والرأسمالية الاستهلاكية، لاحظ كيف أن المجتمعات تُنتج آليات تكيُّف تلقائية: فالخوف من الوحدة يدفع الإنسان إلى الانصهار في الجماعة حتى لو كانت تائهَة، والرغبة في الأمان تجعله يُسلِّم عقله لشعاراتٍ براقة.
وفي عالمنا اليوم، نرى أعراض هذا المرض في تفاصيل الحياة اليومية: في قبولنا للرداءة بحجّة "المُتاح والممكن"، في تواطئنا على تكريس انحطاط اجتماعي لأن "الجميع يفعلون ذلك"، دون أن نحدد ماهية "الجميع"! في تحويل قيم مثل التعاطف والخيال إلى "ضعف" أو رومنسيات عتيقة.
وبذلك يصبح التكيف سلوكاً انتحاريًّا جماعيًّا، حيث نُعيد إنتاج المرض بوعيٍ خفي، مُقنِعين أنفسنا بأن "العالم هكذا". بينما لا يكون العالم "هكذا" إلا إذا أردناه نحن "كذلك".

المجتمع "المريض" في فهم فروم ليس بالضرورة ذاك الذي يعاني من حروب أو كوارث بفعل الإنسان أو الطبيعة، بل هو المجتمع الذي تَختلُّ فيه الموازين الإنسانية الجوهرية: حيث تُصبح المادة مقياساً للقيمة الإنسانية، وتُحوَّل العلاقات إلى معاملات تبادلية، وتُستبدل الحرية بالانصياع للعُرف الجماعي حتى لو كان جاهلاً.

.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن المجتمع المريض يُعاقب من يرفض التكيف!
فالذي يتساءل عن "معنى النجاح" أو يختار له معايير خاصة، أو يرفض السباق الاستهلاكي، أو يُصرُّ على التعاطف في عالمٍ قاسٍ، يُوصَم غالباً بأنه "غير واقعي" و "حالم" أو "مُتعَب" وغالبا "شاذ ومنبوذ" وفي أحسن الأحوال "غريب الأطوار"، وفي كل الحالات هو شخص منبوذ وغير مرغوب فيه ويرى ذلك في كلام الآخرين أو معاملاتهم.
وهنا، نكتشف خدعة الـ"صحة" المجتمعية: فالمجتمع المريض لا يعترف إلا بمرضاه المُحترفين، ويرى في السليمين تهديدًا لوجوده، هذه هي المأساة: أن تصبح الصحة المرضَ الوحيد الذي لا يُعترف به.
.
في تأملي الشخصي، أتساءل: كم مرة تكيّفتُ مع معاييرَ أعرف أنها تافهة؟ تساءل معي، وتأمل مع ذاتك بعمق وهدوء.. واكتشف!
أدرك الآن أن "التكيف المثالي" كان لي أن أستسلم لضغط العمل حتى لو كلفني ذلك صحتي أو راحتي على الأقل. لكن فروم يذكّرنا أن الصحة الحقيقية ليست في الانصهار مع المرض، بل في الشعور بالانزعاج تجاهه. ذلك الانزعاج هو دليل وجود الذات الإنسانية التي لم تُستعبد بعد.
.
ولأنه يجب علينا أن نستمع إلى الرأي الآخر، فقد يعترض البعض: "التكيف ضرورة للبقاء!"، بل هو أساس البقاء. وهذا صحيح، لكن فروم لا يدعو إلى العزلة أو التمرد العقيم. بل يُذكّرنا بأن التكيف الصحي هو ذلك الذي يحتفظ بمسافةٍ نقدية: أن تعيش في المجتمع دون أن تذوب فيه، أن تستخدم آلياته دون أن تُصبح أداةً له. مثلما كان سقراط يمشي في أزقة أثينا مُذكِّراً إياهم بأن "الحياة التي لا تُفحص لا تستحق العيش"، فالمُتكيف السليم هو من يفحص حاله في مجتمعه كل يوم.
.

التكيف "المثالي" مع هذا الواقع هو أعظم أشكال المرض، لأنه يُفقد الفرد قدرته على التساؤل

في النهاية، عبارة فروم ليست بالضرورة لومًا للفرد، أو تحريضا له للتمرد على مجتمعه، - وإن كنت أحب أن أراها كذلك- بل دعوةٌ للاستيقاظ. فالمجتمع المريض لا يُشفى بتماثل أفراده مع مرضه، بل بجرأة من يرفضون أن يكونوا "مُتكيفين تماماً".
قد يبدو هذا طريقاً وحيداً، لكنه الطريق الوحيد الذي يترك بقية أثر من الإنسانية في عالمٍ يحاول باستمرار أن يمحوها.
الصحة الحقيقية، إذاً، ليست في أن نكون "ملائمين" للمجتمع، بل في أن نكون مرآةً تعكس سقمه، وتشير إلى أن هناك ألماً آخر يستحق العيش لأجله.


#فريد_فرحاتي
---------
#المجتمع_المريض
#إريك_فروم
#الصحة_النفسية
#نقد_اجتماعي
#الفلسفة_الوجودية
#العقل_النقدي
#القيم_الإنسانية
#تأملات_فلسفية
#الانسجام_الضار
#النزاهة_الفكرية

التعليقات (0)

شارك

Share this post with others

اللائحة العامة لحماية البيانات

When you visit any of our websites, it may store or retrieve information on your browser, mostly in the form of cookies. This information might be about you, your preferences or your device and is mostly used to make the site work as you expect it to. The information does not usually directly identify you, but it can give you a more personalized web experience. Because we respect your right to privacy, you can choose not to allow some types of cookies. Click on the different category headings to find out more and manage your preferences. Please note, that blocking some types of cookies may impact your experience of the site and the services we are able to offer.